حيدر حب الله
349
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الدلالات القرآنية من إشكاليّة فقدان الشواهد المحيطة بالنصوص كان موضوع التحدّي حينئذ بمعزل عنه ، لأنه لا يرفض الأخذ بالنص القرآني وفهمه مع وعي القرائن المحيطة بصدوره ، الأمر الذي كان متوفّرا لعرب الجزيرة عصر الرسالة ، وكذلك الحال مع مثل الحرّ العاملي الذي يذهب إلى تنويع الدلالات بين الصريح والظاهر مع اعتقاده بوجود الكثير من النصوص الصريحة ، فإن اشتمال بعض القرآن على شيء من الغموض ربما لا ينافي الإعجاز إذا كانت الحالة الغالبة عليه النصوص الصريحة ، وقد ذهب بعض الأصوليين المعاصرين إلى رفض وجود ظهورات قرآنية تقريبا ، مصرّا على أن نصوص الكتاب صريحة على الدوام « 1 » ، وهذا يعني أنه كما لا تنافي الإعجاز الأحرف المقطّعة ، كذلك لا تنافيه الدلالات المبهمة كما يقول الأخباري ، خصوصا إذا حصرها بآيات الأحكام التي كانت قليلة في الفترة المكّية . ورغم ذلك يحقّ لنا التساؤل عن السبب في أنّ ضياع الشواهد المحيطة بالنص القرآني يوجب هدم دلالة النصّ ، فيما لا يوجب ذلك ضياعها في نصوص السنّة ، أفهل نعمت السنّة بالحفاظ على القرائن والشواهد فيما خسرها القرآن الكريم أم أنّ العكس هو الأقرب - نسبيا - إلى المنحى المنطقي لتفسير الظواهر ؟ ! لكن ، ومهما استطاع الأخباري التخلّص من فكرة الإعجاز ، إلا أن كاشف الغطاء قد فتح بذلك طريقا هاما للتأسيس لفهم القرآن ، بعيدا عن السنّة ، ونفس الفكرة أثارها كاشف الغطاء حول موضوع إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ إبراهيم : 4 ، في الموضع نفسه « 2 » . 5 - كان ما تقدّم خلاصة المساهمات التأسيسيّة التي قام بها كاشف الغطاء ، لكنه لم يغضّ الطرف عن أدلّة الطرف الآخر ، فتناولها - كعادة بعض الأصوليين - بشيء من الاختصار ، لكن الجديد في ردّ كاشف الغطاء تمثّل هذه المرّة في ادّعائه أن النصوص المتكاثرة - بزعم الأخباري - التي تحصر التفسير بأهل البيت عليهم السّلام لا دلالة لها على ذلك ،
--> ( 1 ) - الشيخ جعفر السبحاني ، المناهج التفسيرية في علوم القرآن : 49 - 55 ، ويرى السبحاني أن المراد الاستعمالي والجدّي قطعي عند العرف إلّا إذا كان النص بنفسه مجملا ، وقد عنون السبحاني بحثه هذا ب « قطعية الظواهر القرآنية » فخرق بقوله هذا إجماع الأصوليين تقريبا ، في فكرة بالغة الأهمية ، وقد أكّد السبحاني أن مقصوده ما أسماه هو الظهور الاستقراري لا الظهور البدوي ، ليخرج بنتيجة شديدة الأهمية ، وهي إن القول بوجوب صرف الآيات الدالة على مثل التجسيم والتشبيه والجبر و . . عن ظواهرها قول خاطئ ، بل الصحيح أنه لا بد من التأمّل في ثناياها وجمع قرائنها حتّى ينكشف الظهور ، ولطالما فكّرت في هذه النقطة ولم أجد غير السبحاني من صرّح بها ، عدا جماعة التفكيك ، فليراجع ، نعم ، هناك تصوّر قريب من تصوّر السبحاني تبنّاه الشيخ جوادي آملي في تفسير تسنيم 1 : 77 - 78 . ( 2 ) - كاشف الغطاء ، الحق المبين : 24 .